في حضرة الشاعر زبير بالطيب تنبجس معالم النص المكافح من أجل التميز ... يفتح لنفسه معالم رؤية متفردة للكلمات ...تنبجس معانيها قلائد تَغنى بها العربية ... ويزدهي ديوانها .. عرفت الأستاذ زبير منذ سنوات ..يخاتل اللغة .. ويراود ناصيتها .. وهو الجنوبي الحر والأستاذ المدرك لفجاجها وشعابها ... يغمره حبها الدافق .. فتنبجس من حناياه شرايين الوجد المتدفق ..وتتبدى معالم المريدين إشارات حارقة تجتاز طقوس الكلام اليومي العابر .. إلى سبحات الوجدان المكشوف صدقا ونقاء ...لقد اكتسب الشاعر زبير من معاشرته للصحراء ..وصبره على اللغة ...وحبه للعربية أساسا مراسا ودربة وخبرة ..تعاضد موهبته الصارخة وهو يطوع لغته ويقدها فنا ..هو أرقى فنون اللغات ... وديوان العربية الأول : الشعر ..
يبتعد شاعرنا عن مجايليه من الذين يتسابقون إلى النشر والادعاء ... وينأى بنفسه عن الصخب والضوضاء والطيش اللغوي ..ويبني تجربته الشعرية في ثقة وصبر ... ينصب اهتمامه على نصه .. ويصغي لدواخل نفسه دون شرود أو إغماء ...كما يفعل الكثيرون ممن يقولون الفوضى ..ويركبون الإبهام ...يقول في نص :كان ذلك ذات أمس" :.
كان ذلك ...
ذات ريح ... ذات أمس ...
أينع الوجع الجديد
وطفت على اللحظات أطياف غريبه
لم نميّزها
ولم نعرف لمن تلك السطور
فقط قرأناها ... حفظناها ...
ولم ننس الوعود...
الرجل مسكون بالوجع إذن .. ولكن مشرئب الروح إلى الوعد الجميل .. لا ينشغل بسب الزمن .. وهجاء الواقع .. والتباكي على الماضي ..ولكنه يقول الشعر كثافة معنى في علامات دالة مترعة بالغنى الدلالي ..وفي لبوس فني بعيد عن المباشرة قريب من الناس
وكغيره من الشعراء يبوح الشاعر زبير بتعبه .. ويشكو غربته ..ولكل شاعر غربة ..ولكنه لا يستسلم ولا يهن ..ولا يغلبه الحزن .. يقول في نص :" ذكرى " :
" إنّني متعب..." قلت هذا...
ولا زلت أبحث عن مقعدٍ يحتويني
فقد يستحيل المدى أقببه...
غير أني أُِْؤْمن... أنْ سوف تجمعنا نفس هذي المدينةِ
هنا تتجلى رؤيته مسكونة بالثقة في الممكن .. مطلة على مشارف الآتي ..وذلك هو دور الشاعر باعتباره مثقفا يفتح بوابات الأمل للناس ..ولا يستبكي و لا ينهار .. وشعر الأستاذ زبير متعدد الأغراض ..لا تحركه دواعي الإيديولوجيا .. ولا تلجمه رهبة القول ، يخاطب رفيقة الذاكرة وشقيقة الروح .. فيفصح عن صبر الشاعر الذي تقطر مشاعره وعودا وشوقا للقادم المنتظر .. دون كلل أو ارتباك ..تظل بوصلته مشيرة إلى معناه المتفرد بكامل الكفاءة النادرة قياسا لغيره من المتهافتين على النشر الورقي ، يقول في نص"حنين ":
أحاول رتق ذاكرتي
أحاول رسمك الآن
أحول لو أسامحني على حزني الّذي احتدّ
أنا المنسيّ خلف الليل أنتظر
وهذا الوقت يسرقني
ولا أدري أدهر مرّ أم حلم ... ؟
و لا تأتي ..
تعج هذه المجموعة الشعرية بمفردات الهوية والانتماء ..إذ لا تخلو من عبارات : "النخل " و"الصحراء "و"الواحات " , "لغتي" ..ولكنه لا يغفل عن "الياسمين " ..و"البحر" و "الشاطئ" .و"المدينة" والشرفات" و "الرحيل " ..و" الحلم " .. وبذلك اكتسب نصه آفاقا رحبة ومدى مفتوحا تنتشي فيه الروح والمعاني .. وتتعدد المداخل والرؤى .. وتعلو الغايات والمقاصد .
أشهد أن الشاعر زبير بالطيب ..ولد كبيرا بهذه المجموعة الشعرية التي اختار فيها شكل البناء الحر محافظا على تواصله مع التراث الفني للشعر العربي ومجددا في انفتاحه على خطوات البناء الفني الذي شهده الشعر العربي الحديث ، دون أن يرتمي في بركة ما سمي ب"قصيدة النثر" التي استسهلها كثيرون فأفسدوا .. وأربكوا ..ولم يغنوا ..ولم يقنعوا ... .. ابتعد الشاعر عن العبث والفوضى وانحاز إلى المعنى مخالفا أدعياء "الصمت " فاغتنى نصه بالصور البديعة والمعاني العفيفة والمقاصد الشريفة .. ولا أشك لحظة أنه سوف يلقى من الترحاب والدراسة ما يجعله إضافة جادة ونوعية لرصيد الشعر العربي المعاصر .
.سالم المساهلي / الكاف في 28/11/2010
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire